02 أغسطس, 2008

اللقب


اللقب واحد من المظاهر التي تتجلي فيها القوة الرمزية للكلمة، فتختصر في بضعة حروف عشرات المعاني. وأصعب الألقاب منالاً هو اللقب الذي يمنحه الناس؛ وكلما زادت عدد الأصوات زادت مصداقية اللقب، وهكذا صار لقب "آرشانة" واحداً من أصعب الألقاب منالاً. فاللقب يتطلب إلي جانب الموهبة الطبيعية طول مراس وكثير إحتكاك بالأكثر خبرة، وبالتأكيد وراثة جينات معينة، ولا يقتصر اللقب علي طبقة إجتماعية دون أخري ولا علي جنسية أو عرق، وإن كان يختلف التعبير عنه بإختلاف الثقافات والبيئات، وإن كان يقتصر علي النساء دون الرجال. فهو يتطلب صفات أنثوية صرفة لا يمكن حتى للمخنثين أن ينسخوها. وفي وسط يعج بالنساء سواء كان ذلك في الحياة الشخصية أو في الحياة العملية يصبح نيل اللقب بالنسبة للنساء مسألة بقاء. ولا عزاء لمن عجزن عن الحصول عليه.

22 يونيو, 2008

الحاجز

جذبني المشهد المألوف خارج نافذة حجرتي. فأقبلت أطل بحنين علي صديقي القديم، أتذكر الساعات التي جلستها أو وقفتها أتطلع إلي السماء المفتوحة فوق مبني المدرسة الواقعة أمام بيتنا، وأطلق لخيالي العنان، وأحلم بكل أنواع المغامرات، فأري مبني المدرسة سوراً يحول بيني وبين العالم الواسع المثير المليء بالاحتمالات والأحداث، والمغامرات.

وعلي الرغم من أني كنت أحفظ الشارع الواسع خلف مبني المدرسة كظهر يدي - فلا عوالم مثير ولا عشرات الإحتمالات ولا أي نوع من المغامرات. إنما شارع هادئ يسير فيه ناس عاديين - إلا أن الخيال لم يفقد رونقة أبداً في أي مرة تطلعت فيها للسماء خلف مبني المدرسة من نافذة حجرتي، وأطلقت لأحلامي العنان فتمرح أمامي بين النجوم.

أدركت بدهشة أنني توقفت عن تلك العادة منذ سنوات؛ فقد خضت غمار الحياة. وشغلني إكتشاف جوانبها عن الضياع في متاهات الخيال. واستفزتني الأهداف فانصرفت عن الأحلام. لكنني ما زلت أري المدرسة حاجزاً يحول بيني وبين الدنيا!

وفي حركة تلقائية رفعت رأسي إلي الأعلى كما كنت أفعل منذ سنوات مضت فاختفت المدرسة ولم أعد أري سوي السماء الواسعة.

15 يونيو, 2008

القائـد

القائد هو شخص نال حب وتقدير أصحابه/رؤسائه لدرجة التضحية به علي مذبح المسئولية؛ فيلقي في دائرة الضوء ويجرد من حريته وراحة باله...
يتعب ويسهر ويرتاح وينام غيره.
يتواجد من أجل كل واحد وقد يتخلى عنه أي واحد.
يُعذر غيره بينما يضاعف له الحساب إن أخطأ أو تهاون.
يعمل الجميع مطمئنين إلي وجوده سنداً، دون أن يتعشم في غيره سنداً.
ينجح فيتزاحم الخلق لمشاركته ثمار النجاح، يفشل فلا يجد حوله إلا أقل القليل.
يرتاح الناس عندما ينهون عملهم ولا تقر له عيناً حتى يتم الجميع أعمالهم.

06 أبريل, 2008

حكاية العمر كله 6

شئ في صدري

لو كنت قد أطلقت لخيالي العنان لأرسم صورة وردية للدراسة جامعية لما تصورت في أكثر أحلامي جموحاً المعسكر الصيفي متنوع النشاط الذي عشته طوال أربعة سنوات دراسية من حياتي حصلت في نهايتها علي شهادة جامعية، ووظيفة حكومية.

كان لي عشرات الصديقات....
وأمتلئت أيامي بالضحكات والنوادر....
وأستمتعت بتطوير مهاراتي في هواياتي المختلفة علي أيدي أساتذة متخصصون....

كانت الحرية التي يستمتع بمذاقها أي طالب جامعي بعد حدود وسدود المدرسة مضاعفة بالنسبة لنا وذلك بحكم طبيعة دراستنا العملية والمسلية؛ كنا نقضي النهار متنقلات بين سكاشن التغذية والحياكة والأشغال الفنية والتصميم التي لا تنقطع ضحكاتنا ومزحاتنا خلالها، مستمتعات بالأنغام التي يتدرب عليها زملاؤنا بقسم الموسيقي في السيكشن المجاور، وتنقضي المحاضرات النظرية القليلة بين الثرثرة ولعب الشطرنج والورق والسيجا الصعيدي، أو حتى بأخذ إغفاءة قصيرة، وبين المحاضرات والسكاشن نفترش أرض الكلية نستكمل العمل في مشروعاتنا المختلفة، ونحن نختطف لقمة أو نحتسي مشروباً، ومع مغيب الشمس تكون محاضراتنا وسكاشننا وطاقتنا قد أنتهت أو كادت فنتوجه إلي بيوتنا خائرات القوى وأثر ضحكات ما زال يضئ وجوهنا، لنتوجه إلي الكلية من جديد بعد أقل من إثني عشر ساعة لنعود مرة أخري لنفس الكرة، وفي الإمتحانات العملية لا تنقطع ثرثرتنا ومزحاتنا بل كانت تبلغ الأريحية بأن يُسمح لنا بأن نؤدي الإمتحان ونحن نستمع للراديو.

طبعاً لم يخلو الأمر من بعض المواد التي تخلف في النفس إحساساً متنامياً بالدونية كالرياضيات والكيمياء التي ساومني أستاذ هذه الأخيرة في آخر إمتحاناتها العملية علي نجاحي مقابل خروجي من معمل الكيمياء قبل أن أتسبب في تفجيره. ولو كانت خلت من بعض المنغصات لما كانت من الدنيا التي كتب الله ألا يكتمل فيها شيء.

وعلي الرغم من عدم إقتناعي يوماً بجدوي التفوق الدراسي، إلا أنني لم أبخل بجهد أو وقت علي علم أستمتعت به أو مهارة أجتذبتني فكان أن برزت بين زميلاتي في المجالات اليدوية فإذا ما أرادت معيدة أن تظهر تقدمها أمام أستاذتها أختارتني من بين الطالبات للعمل معها، وإذا ما كُلفنا بمشروع ما ظلت زميلاتي يلححن علي:
- فتسأل واحدة: خلصتِ أكلاسير الخياطة يا غادة.
- فأجيبها: لأ لسة.
- فتسألني أخري: حتخلصيه أمتي؟
- فأجيب: مش عارفة.
- فتسأل ثالثة: طب حتجيبيه الكلية تشتغلي فيه هناك.
- فأسأل متعجبة: هو فيه إيه؟!!!
- فتجيبني واحدة: عاوزين نتفرج حتعملي إيه المرة دي.
- ................. .
وعندما ينتهي إمتحان التصميم أجد زميلاتي قد أندفعن يفحصن تصميمي بفضول وأنا أنظر إليهن بدهشة، وفي إمتحانات الخياطة العملية كنت غالباً ثاني إثنتين تنهيان الإمتحان بدقة وإتقان.

وأحياناً ما كان شغفي ببعض المقررات ينسيني الأصول المرعية بين زملاء الدراسة، فأشارك في فورة حماسي بعض معيداتي بعض النشاطات الإضافية التي قمت بها خارج المقرر علينا وتسألني أن أتركها معها قليلاً وعندما أذهب لأستعيدها منها أصادف بعض صاحباتي، وتبادرني واحدة منهن وهي تعرض علي بعض تصميمات التطريز:
- أرأيت التكليف الجديد الذي أرسلتنا أستاذة ( ---- ) لتصويره للدفعة.
- فأنظر إليه وأجيب بتلقائية: آه دا بتاعي يا سلااام حنشتغلـ... ويتلاشي صوتي وأنا ألحظ النظرات المميتة علي وجوه زميلاتي فأتراجع بحذر وأنا أسأل بتوجس: إيه... هو فيه إيه؟
- فتجيبني إحداهن: طب بس ... بس. والله لو الدفعة عرفتِ لأحلو دمكِ وذبحوكِ من غير حتى ما يعدلوكِ ع القبلة، جايبالنا شغل زيادة يا ست غادة.
- فأجيب منزعجة: إيه ده.. وأنا مالي أنا كنت بفرجها التصميمات اللي جمعتها وبا... وتعود النظرات المميتة فأؤثر السلامة، وأنسحب بهدوء، وتسترني صاحباتي أمام دفعة لن ترعي في إلا ولا ذمة إذا ما عرفن أني صاحبة التصميم الإضافي الذي سننكفئ علي تطريزه بضعة أيام قادمه، فهن يدركن أنه مجرد حادث عارض فحاشا وماشا أن أكسر الكود المتعارف عليه بين الزملاء متعمدة أبداً.

وعلي الرغم من هذا كان في صدري شئ ما ....
جرح لم يلتئم وذكرى حلمي الضائع الذي لم يعوضني عنه نجاحي وإستمتاعي في مجال أخر كان ذات يوم أحب إلي وأمتع.

وللحديث بقية...

29 مارس, 2008

حكاية العمر كله 5

طار بعيداً

بدأت مرحلة ظريفة طريفة من حياتي، كانت اللغة فيها لعبتي الجديدة التي صرت أتدرب عليها، تحت إشراف والدتي ومتابعة والدي، وتشجيع أساتذتي، وفي الوقت الذي إلتهمت فيه الحيرة كثير من صاحباتي لعجزهن عن تحديد نوعية دراستهن المستقبلية، كان الطريق أمامي واضحاً، أو علي الأقل لبضع خطوات قادمة.

لم يصبح لدي هدف بقدر ما أصبح لدي شغف؛ فإنضمت دراسة اللغات إلي قائمة هواياتي: القراءة، الرسم، الموسيقي، الأشغال الفنية... وأصبح لدي أبواي أمل أن أولي إهتمام أكبر لمستقبلي العملي ودراستي، وربما أستطعت تدريجياً أن أصنع من بعض إهتماماتى هدفاً أسير إليه، الأمر الذي لم أفهمه وقتها أو أولي له أدني إهتمام، ولم أفعل؟!! فالحياة أسهل من أن أحمل لها هماً وأجمل من أن أعكر صفوها بتفكير جاد.

وذات يوم زاغت فيه العيون، وأضطربت الأنفاس، ووجفت القلوب، وتحولت الأعصاب إلي وتر مشدود يعزف نغمة واحدة لم يشذ عنها أحد وبمجرد إعلان نتيجة الثانوية العامة أرتفع النغم ليأخذ مقام "هستيريا جماعية". وعلي الرغم من أني كنت أعرف بدقة وثقة أنني أرغب في دراسة اللغات ولا شيء غيرها، وعلي الرغم من أنني كنت أعرف تحديداً أنني أريد دراسة الترجمة إلا أنه كان من الواضح وأنا أتصفح كتيب الكليات أنني تقاعصت عن القيام بالخطوات البسيطة الباقية كي أصل لمرادي
فلم أقم يوماً بحصر الكليات التي تدرس اللغات.
ولا نوعية الدراسة في كل كلية منها.
ولا متوسط المجموع الذي تقبل به هذه الكليات...
إلي آخر تلك الأسئلة البديهية البسيطة جداً مقارنة بالسؤال المعضلة "نفسك تطلعي إيه؟" لكن ذلك ليس مبرراً، ومتي كان ذلك مبرراً؟!! لطالما حصلت علي مرادي؟!! متى كانت قلة الجهد المبذول مبرراً كي لا أحصل علي مبتغاي؟!!! كيف ولماذا نفذ حظي؟!!

وهكذا ظللت أبكي وأصرخ وأضرب الأرض كأي طفل مدلل سلبت منه لعبته الأثيرة، دون أن يدرك أن ربع هذا الجهد الضائع في الصياح والعويل قد يوصله إلي مبتغاه، وفي حالتي تلك كان كل المجهود المطلوب هو مكالمة تلفونية واحدة أعرف منها أن بعض الكليات لدراسة الترجمة واللغات تنطبق شروطها عليّ بدل من أن أعرف تلك المعلومة بالصدفة البحتة بعد ذلك بثلاث سنوات.

وهكذا وقفت مكتوفة الأيدي أري حلمي وهو يطير بعيداً.

وللحديث بقية...

22 مارس, 2008

حكاية العمر كله 4

زراعة هدف


كان مبدأ أبي في تنشأتنا هو تركنا نخوض التجارب أو دفعنا إليها كما كان حريصا علي تدريبنا علي إتخاذ قراراتنا بأنفسنا، ويتحمل معنا عواقبها بصبر، تحت متابعة ورقابة لا نكاد نشعر؛ فمن الطبيعي طوال اليوم أن نثرثر مع أبوينا حول أحوالنا وأراءنا ومشكلاتنا كما يفعلون هم معنا، غير مدركين أنهما من خلال تلك الثرثرة اللطيفة الظريفة يتابعان أدق تفاصيل حياتنا ويوجهان ويرشدان دون أن يشعر أحد منا بأنه فاقد الحرية أو ناقص الأهلية، ولولا ذلك لما نما لأحد منا رأي أو قدرة علي إتخاذ قرار فلأبي شخصية جبارة، وقدرة غير عادية علي إقناع الآخرين، وهما صفتان كفيلاتان بمحو شخصية أي إبن.

فلما أظهرت تلك العبقرية المفرطة في حل معضلة "نفسكِ تطلعي إيه؟"
وظهرت علي أعراض العجز الكلي عن إيجاد هدف طبيعي قابل للتحقيق
وفشلت كل سبل العلاج
لم يكن هناك بد من التدخل الجراحي
وشرع أبواي في عملية زرع هدف لي

ولأن أبي رجلاً مبدع التفكير لا تعيقه قيود أو حدود، ولا يري الصعاب أو الحواجز إلا لكي يتخطاها، فقد تجاهل كل مؤشرات إنخفاض المستوي العقلي الظاهرة علي محياي البريئ، كما لم يلق كثير إنتباه إلي علامات الفشل الدراسي الظاهرة في تقاريري المدرسية، وبعد أن إنتهت مداولاته مع أمي إلي قرار إستكمالي تعليمي في المدارس العامة بدلاً من إرسالي إلي المدينة المجاورة لإستكمال تعليمي في واحدة من سلاسل المدرسة الخاصة التي يتوفر بها المرحلة الإعدادية والثانوية والتي أنهيت في أحد فروعها بمدينتنا دراسة المرحلة الإبتدائية، رأي أبي في ذلك فرصة لي كي أتميز في مجال اللغات، ولم يثنه عن ذلك فرحتي الظاهرة بالتخلص قريباً من عبء دراسة اللغات عندما أنتقل لمدارس التعليم العام، التي سيكون مستوي اللغات فيها أقل بكثير من مستواي الحالي.

أذكر بوضوح تلك المرة التي إنتهينا فيها من تناول طعام الغذاء وبدا لي أن الموضوع فتح تلقائياً وبدأ أبي يتحدث عن أهمية اللغات وكيف أن أمامي فرصة مثالية كي أبرع فيها، وبدأت أصوات الجميع تخفت حتى تلاشت تماماً، وإنتبه الجميع وأبي يشرح لي بصوته الإذاعي العميق الهادئ، وأنا أستمع إليه بتركيز؛ أن اللغات مجال مرن قابل للتطويع في مجالات كثيرة فإذا ما ظهر لي في مستقبل الأيام إهتمام بمجال آخر، كانت إجادتي للغة سنداً لي، وإذا ما فلحت في هذا المجال فيمكن أن أجد له عشرات التطبيقات.

غادرت في ذلك اليوم منضدة الإجتماعات العائلية المنعقدة دورياً مرتين في اليوم، ولدي قناعة كافية لأن أتقبل حضور أبي للمدرسة في بداية العام الدارسي الجديد ليتحدث مع مدرس اللغة الإنجليزية ليتعرف عليه ويوضح له خطتنا، ثم ليتابع معه بعد ذلك تقدمي في دراسة اللغة الإنجليزية.

وللحديث بقية....

21 مارس, 2008

لا بد أن تتزوجي

أنهت زميلتي حديثها بلهجة من يقرر واقعاً:
"...لكن أنتِ لابد أن تتزوجي"
وإلتفت إليها مندهشة، والكلمات تنفلت من لساني دون تفكير:
"وما الذي جعله لازماً"
فأجابتني هي الآخري بتلقائية وبلا تفكير:
"لتنجبي طفلاً"
فأجبتها مندهشة ومستنكرة:
"وماذا أفعل بطفل؟!"
فردت وكأنما هو أمراً مفروغا منه:
"تجدين فيه شيئ تعيشين من أجله"

لم أستطع يوماً أن أستوعب ذلك التسلسل العجيب في أحاديثن!!

تشنف الواحدة منهن آذاني بحديث تبدأه بنعي أحلامها الوردية المحطمة علي صخرة الزواج وواقعه الأليم مع زوج فيه العبر، لتنتقل بعدها مباشرة إلي إستجوابي عن حالي في هذا المضمار، ثم لا تلبث أن تغرقني -دون مبرر واضح- بالرثاء والمواساة لتأخر زواجي، فإذا ما حمدت الله وحدثتها عن الرضا، قذفت في وجهي العبارة الكلاسيكية "لكن لابد أن تتزوجي".

ولو أنها أقترحت علي إقامة حفل إنتحار جماعي ندعو إليه مثيلاتنا ممن شذذن عن سنن الطبيعة فلم يتزوجن أو طلقن أو حتي ترملن!! فعلي الأقل سيكون لحديثها صفة التسلسل المنطقي، فبعد الإستماع إلي تلك التلاوة الشجية لمأساتها بكل تفاصيلها المفجعة بصوت درامي وتعبيرات حزينة تنافس بها أداء الراحلة أمينة رزق في دورها العبقري بالفيلم الكلاسيكي "أريد حلاً" سأفكر علي الأقل في حضور ذلك الحفل، إن لم يبلغ بي الحماس إقامته بنفسي والدعوة له.

لكن لم أحمل هؤلاء المسكينات فوق طاقاتهن فغالباً ما تكون الواحدة منهن غارقة في مآساتها الشخصية فلا يدركن قوة الشحنة السلبية التي يصدرنها بروايتهن لتلك التفاصيل المأساوية، فإذا ما رأين علي وجه المستمعة لهن أي لجة سوداء إصطحبنها إليها، ألقين إليها بطوق النجاة متمثلاً في تلك الجملة الظريفة "لكنكِ لابد أن تتزوجي" فينطبق عليهن المثل الشعبي "جت تكحلها عمتها"

لكن هذا هو قدر علمهن وربما كان هذا بعض أسباب مآسيهن، فالزواج تحول إلي إكسسوار إجتماعى، أو علي أفضل تقدير هو الطريق الشرعي لإستيلاد أطفال يختبئ المرء خلفهم كي لا يسعى في الحياة حق سعيها. أو هو مضمار للفوز بألقاب "أول من تزوجت في الشلة"، "أول من أنجبت في الشلة" لتتفرغ بعد ذلك لإنجازات أعظم فتسابق صاحباتها لنيل لقب "أول من أشتري لها زوجها سيارة"، "أول من أشترت شالية في الساحل الشمالي".

فإذا ما إكتشفن بعد الزواج أن كثيراً من الأمور الفرعية مثل: الدين، والأخلاق، وتوافق الطباع، والتفاهم، والقدرة علي تحمل المسئولية... إلخ من أمور لا أهمية لها مقارنة بالمهر والشبكة والعفش والشقة والفرح ... إلخ من أساسيات الزواج التي تضمن للمرأة زوج صالح يسعدها بقية عمرها وتضمن للرجل زوجة صالحة تكن له خير متاع الدنيا، إذا ما أكتشفن أن هذه التوافه تعيق الحياة الزوجية وتحولها إلي جحيم وأن هدمها أنجي للجميع بنفسه وسلامته النفسية والعقلية بدأت رحلة الإنفصال الشاقة والتي تعود نفس تلك الأمور الفرعية: الدين، والأخلاق، والتفاهم والقدرة علي تحمل المسئولية.... إلخ من أمور غير أساسية مقارنة بالمؤخر والنفقة والحق والمستحق، لتقف عائق أمام بتر نظيف ويتحول الطلاق إلي معركة بغيضة يخسر فيها الجميع نفسه أو ماله أو الأثنين معاً.

لكن برضة "أنتِ لابد أن تتزوجي"
............................ !!!!

20 مارس, 2008

حكاية العمر كله 3

تحت تأثير التعذيب


وتحت تأثير تعذيب الإلحاح خرجت بكافة أنواع الإجابات التي أكدت لوالدي أن مصابهما في أول أبنائهما أكبر مما قدرا له ....

أنسوا موضوع الطب ده....أنا مش حقعد بقية عمري أفعص ف.. ولا ف... يع بع... إيه القرف ده.
"دا أنا اللي بقول"

*********************

لا لا لا لا هندسة إيه؛ دا العذاب اللي بشوفه في حصة الحساب مفيش عذاب زيه، حد يروح للنار برجليه! "أنا برضه اللي بقول"

*********************

  • حطلع ظابط "ده أنا اللي بقول"
  • الشغلانة دي للصبيان بس "دي ماما اللي بتقول"
  • مليش دعوة أنا عاوزة أطلع ظابط. "دا أنا اللي بهبد الأرض برجلي وأنا بقول"
  • هو فعلاً ممكن يبقي فيه بنات ف الشغلانة دي بس هي مش مناسبة خالص للبنات وممكن تخلي حياتك صعبة في نواحي تانية كتير "ده بابا اللي بيقول"
  • ........... "ده أنا اللي بفكر"
*********************

  • حطلع صحافية. "ده أنا اللي بقول"
  • دي شغلانة وحشة أوي يا غادة، إخيييه، دا وسط فيه وبيه وعليه... لا لا لا إلا صحافية دي. "دا بابا اللي بيقول"

*********************

  • حطلع رائدة فضاء. "ده أنا اللي بقول"
  • ربنا اللي بيشفي. "دي ماما اللي بتقول"
*********************
  • شوفوا بقي أنا زهقت، أنا عارفة أنا عاوزة إيه أنا حسلك أقصر طريق لأسرع شهادة إن شاء الله تكون معهد يومين، وأقعد بعدها بقي في البيت أقرأ وأرسم وأسمع مزيكا. بلا شهادات بلا طموح بلا قرف. "ده أنا اللي بصرح"
  • إنتِ عارفة دا معناه إيه، حتلاقي نفسك فراشة في مكتب زمايلك اللي قاعدين جنبك ع التختة النهاردة، قوليلها يا ماما.... "ده بابا اللي بيشجب"
  • خلاص، خلاص، خلاص .... حطلع وزير ولا يهمكم "ده أنا اللي بقول"
  • برضة حدخل معهد يومين وأخلص م التعليم وقرفه "ده أن اللي بقول... في سري"
وللحديث بقية....

حكاية العمر كله 2

نفسك تطلعي إيه؟


عذبني الكبار طوال طفولتي بحوار لم أنجح يوماً في مجاراته أو تفسير دوافعه!

  • "نفسك تطلعي إيه؟"
  • .................. !!
  • "بتحبي المدرسة؟"
  • .................. !!
  • "إنتِ بتطلعي الأولي علي الفصل؟"
  • ................................. !!
ولما لم يكن في نفسي شيء.
ولما كان حبي للمدرسة محاط بعشرات التحفظات....
ولما لم تكن الدرجات أو المحفزات التي يدفعنا إليها أساتذتنا لا تمثل لي أي شيء.

كان الصمت أبلغ إجاباتي، وسؤال ملح يفتك برأسي "متي يطلق هذا الظريف الطريف سراحي؟"
كانت الحياة بالنسبة لي مختزلة في أصحابي وألعابي، أما جنة الله في الأرض فقد كنت أجدها وسط سطور كتبي ودفتر الرسم وأشغالي الفنية، أما التلفاز فهو أفضل إختراع بعد الكهرباء، واللاسلكي وكافة الإختراعات التي أدت إلي ظهور التلفاز في حياتنا، والمدرسة عبء غير مفهوم ووقت ضائع سدي، وكان من الصعب أن يفهم الكبار ذلك، كما إستحال علي فهم ذلك الحوار الذي يفرضه الكبار كطريق وحيد لتحية الصغار أو التواصل معهم، هل هو إتفاق متبادل أن يعذب الكبار فلذات أكباد بعضهم البعض أم هو عجز كامل وكلي عن إجراء حوار مع الأطفال حتى أخترع نيوتن عصره وأوانه هذا الحوار الذي يخرس أي طفل وأعتبره كل الكبار طوق نجاه تعلقوا به!

لم أدرك مدي إهتمام أبواى بإجاباتي إلا عندما بدءا هما شخصياً يطالباني بإجابة السؤال المعضلة "نفسك تطلعي إيه؟" ولم أعرف أنهما شحنا كل طاقاتهما وطاقات كل من أهتم بالمساعدة من الأهل والأصحاب لإنتشالي من الضياع معزين أنفسهم إزاء الجهد المبذول إنهم لا ينقذون طفلاً واحد إنما ينقذون كل أبنائهم، وحتى بعض أبناء العائلة؛ فالأصغر سناً تابعين خطاي لا محالة أو علي الأقل متأثرين بفشلي أو نجاحي بشكل أو بآخر.ولم أستوعب أنني مركز حملة شعواء لدفعي كي أجد لنفسي هدفاً في الحياة يناسب قدراتي، هذا إن كان لي قدرات أصلاً، ففي ذلك الوقت كانت لا مبالاتي تدفع الجميع لإعتقاد جازم بأنني غبية لدرجة أن إكتشافهم أن لي عقلاً كبقية بني آدم شكل لهم مفاجأة عجزوا عن إخفاء تعبيرهم عنها.

وللحديث بقية....

حكاية العمر كله 1

البداية


عندما عاد لي الأمل...

عندما تحقق حلم لم أجرؤ أن أحلم به...

عندما تحررت أخيراً من قيود كبلتني طويلاً...

عندما دهمتني في لحظة عشرات الذكريات...

عندما واتتني القوة أن ألتفت أخيراً "لأتأمل" ما مضي...

أدركت بدهشة كم الألم الذي كنت أكابده يوم لوقت غير قصير من حياتي.



مسْ مريم


ولجت مسْ مريم إلي حجرة العقاب فعم السلام؛ هدأت النفوس، وجفت الدموع وبوجهها المقطب تعلقت عيون الصغيرات، وبحزمها ونعومتها المعتادتين أحنت قامتها الطويلة علي واحدة تلو الآخري لتبدأ معها حوارا مقتضبا أرادت مُدرستنا جميلة النفس والوجه من خلاله تحديد علة تخلف بعض طفلاتها عن بقية زميلاتهن، لذلك كان لحاقها بهن إلي حجرة العقاب التي لا يطأها مدرس ألقي بتلميذاته إلي تلك الحجرة المخيفة، إمعانا منه في العقاب، ولكن متي كانت مسْ مريم كغيرها، وبعد إجابات التلميذات المضطربة علي أسئلتها، وبكلمات قليلة منها، أرشدت الصغيرات لتنفيذ العقاب وأفهمتهن سببه، وهونت عليهن أمره مؤكدة أنهن لن يتجاوزن وقت الإنصراف من المدرسة بكثير، فهدأ روعهن، وبأسرع من عادتهن تحركت الأقلام تخط ما فرضته عليهن تعويضا عن تقصيرهن، وللمرة الألف صدق وعدها، فلم يتأخرن أكثر من دقائق معدودات، وبمجرد تسليم تكليفهن تم الإفراج عنهن.

لكن قبل أن تطير الصغيرات ليرتمين في أحضان أمهاتهن، كان يجب أن يطمئنن أولا إلي أنها سامحت، وغفرت تقصيرهن، والأهم أنها لا تزال تحبهن، وبحوار قصير سريع معها إنتهي بوعد الصغيرات بالإجتهاد نلن مبتغاهن، فسرن بهدوء إلي حيث ينتظرهن أولياء أمورهن، فكيف كن سيهدأن بالا قبل الإطمئنان إلي إستمرار صفاء نبع الحب، والعلم لهن.

ولما تركنا المدرسة صرنا نتسقط أخبارها، وعرفنا علي مدي السنوات أن مسْ مريم لم يكن لديها سبب واحد لتكون ما كانت عليه معنا؛ فقد حُرمت نعمة الإنجاب، وحُلت عُري زواجها وألتهم المرض الغادر أباها ثم أختها وبدأ يرعي في جسدها، وصارت النهاية المحتومة أقرب إليها كل يوم، كما أثقلتها الحياة بأعباء والدتها المريضة، فأختفت الإبتسامة عن وجهها، وصارت تقطيبة الهم الخفيفة أحد ملامح وجهها المميزة، فإن كنا نعجب ونحن صغارا لشدة حبنا لها، فقد زاد عجبنا بعدما نضجنا وعركنا الحياة، من أي معين كانت تغترف مدرستنا الغالية تلك الطاقة الهائلة الضرورية لتهذيب وتدريس أطفال الصفوف الإبتدائية! وتحقيق تلك النتائج المبهرة علي المسْتوي الإنساني والتعليمي!!

وفي أحد الأيام تناقلنا بدهشة وأسف خبر وفاة مسْ مريم، وهي ما زالت في شرخ الشباب، فلم أشعر بحزن فقدان شخص عزيز، فمسْ مريم لم تكن شخصا عزيزا، لقد كانت رمزاً يعيش في حياتك للأبد، فهؤلاء الناس لا يموتون برحيل أجسادهم عن الحياة، فآثارهم باقية لوقت أطول مما يدركه الكثيرون، والبذور التي غرسوها أثناء حياتهم القصيرة علي الأرض، تعيش وتزهر وتثمر إلي ما شاء لها الله، ويبارك ربك لمن يشاء.

لقد كانت مسْ مريم متوفاة عندما أهديتها درجتي العالية التي أدهشت زميلاتي في أحد إمتحانات الكلية، ففد كانت ماثلة في خيالي وأنا أستذكر بإجتهاد المادة التي كانت هي أول من علمني مبادئها، وكان قد مرعلي رحيلها زمن وأنا أحتوي تلميذاتي بقيم الحب والعدل والرحمة التي كانت هي مثالا عمليا لها، وحتي يومنا هذا عندما تخلو الساحة حولي من قدوة أرتضيها فإني ألوذ بذكري أسلوبها الراقي في تهذيب الصغير بحزم دون أن تُحرج أو تَجرح، وقيادة الكبير دون تطاول أو إستفزاز.

فهل ماتت مسْ مريم حقا! أم أنها تعيش كما لم يعش كثيرون مفعمون بالحياة. رحمة الله عليكِ يا مسْ مريم ما أكثر ما أعطيتِ وما أقل ما أخذتِ، بل ما أكثر ما كسبتِ وأقل ما خسرتِ.

كناس شارعنا

تنتهي عند شارعنا إمدادات خطوط الكهرباء والمياة وعدد ولا حرج ما شئت من خدمات، كلها تنتهي عند شارعنا، مكونة مركزا رئيسا لتمتد بعد ذلك للأحياء الأحدث، واحترت للسبب فلربما كان شارعنا حنونا كالأب الشفوق فعنده تستريح ماسورة المياه الأم، وكشك الكهرباء الرئيسي...

ولستُ وباقي جيراننا إناسا غير مضايفين، حاشا وكلا، كل ما في الأمر أن هذه المراكز الرئيسية للخدمات كحال الأباء يحملون هموم أبنائهم مهما أبتعدوا عنهم، فإذا ما أنفجرت ماسورة مياه في البكاء ففاضت مياهها في شارع بعيد في منطقتنا، تجد الحل عندنا في الماسورة الأم ويدخل شارعنا الغلبان حجرة العمليات ليتم شقه للوصول للماسورة الأم، وحل المشكلة من أساسها، ثم يُردم مرة أخري، لكننا لا نعدم تذكارا صغير، مرة نتوء، وأخري تموجات حادة، وتارة منخفض بسيط ذا طبع نزق إن لم تلتفت إليه كل مرة تمر فيها عليه تجد نفسك منبطحا علي الأرض أمامه.

ورغم ذلك كنا نجد دوما شارعا نظيفا بشكل مميز، وقد سُويت آثار الحفر والردم، بشكل متواضع، فنتابع سيرنا وتأففنا من سوء مسْتوي الخدمات، وذات يوم إنحدر حال الشارع بشكل صارخ فبقيت القمامة تزين أطرافه تجاه كل عمارة حتي الضحي، وإذا أمطرت أفتقدنا طريقا نستطيع السير فيه... ولما بدأت الناس تتساءل، أخبرهم بعض الجيران، أن كناس الشارع وصل إلي سن التقاعد، وجاء مكانه ثلاثة من الكناسين في شرخ الشباب، هم هؤلاء اللذين تراهم الأن بين الفنية والأخري وقد وقف الواحد فيهم أمامك - ما شاء الله - طول بعرض وقد أمسْك في يده مكنسة هزيلة، يسد عليك طريقك ولا ينصرف حتي تنقده ما تيسر وأنت تتساءل عن هذا الوجه الجديد في المنطقة.

وقتها فقط، بدأنا ندرك ما كان يفعله الكناس، كان الرجل صاحب البنية الضعيفة والمكنسه العريضه يعمل بكد وصمت طوال سنوات، يَجد فلا يحرص علي نظافة الشارع منذ وقت مبكر صباح كل يوم فحسب، بل إنه يجتهد لتحسين الحال قدر الإمكان ففي الشتاء تجده، يزيل آثار المطر بفن - إكتسبه من كثرة المراس علي عمله - حتي تتلاشي تلك الآثار بشكل أسرع، وإن وجد آثار لأعمال الصيانه فبأدواته البسيطة يسوي النتؤات والحفر والتعرجات قدر ما يستطيع، ودون يأس من حال شارعنا الموعود بأعمال بالحفر والردم عدة مرات في السنة، يداوم الكناس علي العمل كل مرة، بلا كلل ولا ملل، فهو يقوم بأفضل ما يستطيع مهما كانت حالة الشارع، وبمداوته علي العمل يوميا، يصبح الوضع أفضل بشكل ملحوظ وواضح، ويزيد علي ذلك تطوعه لمسْاعدة الزبال وتسهيل مهمته في جمع القمامة، ثم أنه كان يتواري خجلا إذا ما أعطيته قروشا قليله أو كثيرة، ولا يأتيك أبدا ليأخذ نصيبه الذي وعدته به من طعام أو ملابس في المناسبات المختلفة فتجد نفسك مضطرا إلي وضع نصيبه جانبا، وإختيار أحد أفراد الأسرة ممن يستيقظون مبكرا ليترقب موعده ويعطيه ما قسمه الله له، فيأخذه علي إستحياء، وفقط كيلا يحرجك بعدما ألححت عليه في أن يقبلك سببا لعطاء الله له.

منذ ذلك الحين وكناس شارعنا يخطر علي بالي من وقت لآخر، لا أكاد أذكر وجهه ولا حتي أعرف أسمه، لكن خطر لي أن أكتب تلك الكلمات فقط لأقول له: "شكرا لك، لفترة طويلة جعلت حياتنا أفضل، بأداءك وظيفتك في هدوء، دون أن يعلم بوجودك أحد، لم يُقعدك تقاعس غيرك عن الإجتهاد والإصلاح قدر طاقتك، أتمني أن أستطيع القيام بعملي مثلما قمت أنت بعملك، بصمت وعلي أكمل وجه أستطيعه، علني أقف أمام ربي كما أحسبك ستقف أمامه مسْتريحا أنك أديت عملك لا تبتغي من غيره جزاءاً ولا شكوراً".

طلع بالشيفورليه

رأيت اليوم ثلاث سيدات جلسن علي قارعة الطريق...

لم يكن ذلك ما كدت أكسر عنقي وأنا ألتفت بحدة أتأكد منه، فمن الطبيعي في الريف أن تجد الناس قد تكوموا جلوساً علي الأرض، لكنها كانت تلك الأجساد الضئيلة في التي-شيرتات والسراويل الجينز، وتلك الشعور الملساء والملامح الشرق أسيوية.

لم أكن الوحيدة التي لفت إنتباهها المشهد الغريب، فقد بدأت أسمع بقية ركاب الحافلة يتبادلون الملاحظات حول دهشتهم لرؤية بداية توغل هؤلاء القِصار الجبارين في الريف المصري.

منذ عدة أشهر مضت فتحت باب بيتنا، ثم فتحت فمي ببلاهة وأنا أحدق غير مصدقة بالطارقة التي بادرتني: "قول لماما: مش عاوز حاجة صيني؟" فهمهمت لها شكراً وأغلقت الباب وأنا أحاول إستيعاب ما رأيت، أكانت تلك مندوبة مبيعات صينية!!! ودي حتروح في قطر الساعة كام!!!!!!

ومنذ بضعة سنوات مضت رأيت مجموعة من الباعة الصينين في بعض المعارض التي تقام في المدينة أثناء الصيف.

وقبل ذلك ببضعة سنوات رأيت لأول مرة في أحد الأسواق بمصيف مرسي مطروح شابة صينية تعيد ترتب بضائعها في فترة الغذاء بصبر وإهتمام دون أن تلتفت لمضايقات بل وتطاول بعض البائعين المصريين المحيطين بها.

إسترجعت صورتي منذ بضعة ساعات مضت وأنا أحدق بأنفة في إحدي مواصلات الريف، وأسأل نفسي كيف سأركبها وأنا واحدة قيمة وسيما ووظيفة ميري مربوطة علي الدرجة التانية دا غير العلاوات.

لم تأنف هؤلاء النسوة الجلوس علي قارعة الطريق كما يفعل أهل الريف، بل ربما لا يفهمن للأنفة معني.

تذكرت تلك المنحة الدراسية التي أدرت لها ظهري تقاعساً أمام صعوبات الإغتراب والوحدة وإختلاف الثقافة.

لم توقف هؤلاء النسوة صعاب السفر والغربة وإختلاف الثقافة الجذري عن السعي وراء رزقهن، بل ربما لا يفهمن للصعاب معني.

إسترجعت صورة ذلك الشاب الذي تحول إلي مسخ عجيب بعدما تخرج منذ ما يقرب من عشر سنوات دون أن يجد عمل.

لقد أتت هؤلاء النسوة عبر ألاف الأميال ليلتقتن من تحت قدميه عملاً يكفي بالتأكيد إقامتهن وسفرهن ويفيض منه ما يدفعهن للتوغل في السوق المصري بخطوات وئيدة ثابتة.

والمحصلة النهائية ....

طلع بالشيفرولية... وإحنا قاعدين.
حمل الشيفورلية... وإحنا قاعدين.

إييييه يلا أدينا قاعدين... دا حتي القعدة الحلوة ما تتعوضش، ولا حد يحب يقوم يشتري الشيفورلية.